في أعماق الغابة الحمراء، حيث تختلط أصوات الرياح بأسرار الأشجار، عاشت كلبة اشتهرت بكثرة النباح، حتى أصبحت حديث جميع الحيوانات. كانت تتنقل بين أرجاء الغابة حاملةً الروايات والحكايات، وتحرص على أن تكون دائماً في مركز الاهتمام، معتقدةً أن كثرة الكلام تكفي لصناعة النفوذ، وأن ارتفاع الصوت دليل على القوة.
ومع مرور الأيام، صار كل من يخالفها هدفاً لنباحها، فكانت تهاجمه بالكلمات وتحاول تشويه صورته أمام بقية الحيوانات، حتى خُيّل للكثيرين أن الحقيقة لا تُعرف إلا من خلال ما ترويه.
وفي الطرف الآخر من الغابة، كان الأسد يعيش بعيداً عن الضجيج. لم يكن كثير الكلام، ولم يسعَ إلى جمع الأتباع أو إثارة الجدل، بل كان يؤمن بأن العدالة لا تحتاج إلى صخب، وأن الحقيقة لا تثبت إلا بالأدلة.
وذات يوم، قررت الكلبة أن تتحدى الأسد أمام جميع الحيوانات، معتقدةً أن كثرة النباح ستجبره على التراجع. لكنها فوجئت بصمته، فقد ترك الزمن يتكفل بكشف الوقائع، ورفض أن يرد على الاتهامات بالصراخ أو الإساءة.
ومع مرور الأيام، بدأت الحكايات تتناقض، وانكشف كثير مما كان خفياً. عندها أدركت الحيوانات أن الضجيج قد يلفت الأنظار لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يصمد أمام الحقيقة عندما تظهر.
واجتمع حكماء الغابة، وبعد نقاش طويل، أعلنوا أن العدالة لا تُقاس بعلو الأصوات، ولا بعدد من يرددون الاتهامات، وإنما بما تثبته الوقائع والأدلة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الغابة تردد حكمة تناقلتها الأجيال:
“قد يرتفع النباح، وقد يخدع الضجيج بعض العيون، لكن الحقيقة وحدها تبقى، وزئير العدالة لا يخفت مهما طال الزمن.