كشفت تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة أن ما روّج له الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” باعتباره نصرا سريعا تحول إلى أزمة استنزاف عسكري واقتصادي امتدت آثارها من الخليج إلى الأسواق العالمية، وسط تعثر التوصل إلى اتفاق سياسي شامل وتصاعد الضغوط على المدنيين الإيرانيين.
وأفادت تقارير صحافية أمريكية وبريطانية بأن واشنطن وجدت نفسها أمام مأزق معقد بعد أشهر من التصعيد والقصف، إذ لم تتمكن من انتزاع تنازلات حاسمة من طهران رغم استخدام القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية، في وقت أصبحت فيه تكلفة الحرب أكثر وضوحا على المستويين الداخلي والدولي.
كما ذكرت مجلة “أتلانتيك” الأمريكية أن إدارة ترامب كانت تراهن على اتفاق سريع مع إيران يشمل ملفات البرنامج النووي ومضيق “هرمز” والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، غير أن تعقيدات الصراع دفعت واشنطن إلى تمديد وقف إطلاق النار بدل العودة إلى مواجهة مفتوحة.
و اعتبرت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” أن خطاب “النصر الأمريكي” اصطدم بواقع أكثر تعقيدا، بعدما احتفظت إيران بقدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف حلفاء واشنطن في الخليج، ما جعل استمرار الحرب يحمل كلفة عالمية مرتفعة.
وفي الجانب العسكري، كشفت مجلة “نيوزويك” أن الحرب استنزفت جزءا مهما من الترسانة الأمريكية، خاصة صواريخ “توماهوك” و”باتريوت” و”ثاد” و”إس إم-3″ و”إس إم-6″، مشيرة إلى أن تعويض بعض المخزونات قد يستغرق سنوات بسبب التزامات واشنطن العسكرية في مناطق أخرى مثل أوكرانيا وآسيا.
كما نقلت المجلة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن الولايات المتحدة أطلقت أكثر من ألف صاروخ “توماهوك” خلال العمليات ضد إيران، وهو ما يمثل نحو ثلث المخزون التقديري قبل الحرب، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن قدرة واشنطن على خوض صراعات طويلة ومتعددة الجبهات.
و انعكست الحرب بشكل مباشر على الداخل الإيراني، حيث أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن العقوبات والحصار البحري وتراجع صادرات النفط فاقمت الأزمة الاقتصادية، مع خروج أكثر من مليون إيراني من سوق العمل وانهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الأساسية.
كما تحدثت صحيفة “غارديان” البريطانية عن موجة غلاء غير مسبوقة داخل إيران، شملت ارتفاع أسعار الزيت النباتي بنسبة 308 في المئة والدجاج بـ190 في المئة والأرز بـ170 في المئة، في ظل تضخم غذائي تراوح بين 140 و200 في المئة وفق بيانات صندوق النقد الدولي.
و أكد الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” أن الحرب الأساسية أصبحت اقتصادية، محذرا من أن استمرار تدهور الوضع المالي يهدد استقرار البلاد، بينما تصاعدت دعوات رسمية لترشيد استهلاك الوقود والكهرباء والمياه.
وعلى الصعيد الدولي، تحولت أزمة مضيق هرمز إلى عامل ضغط عالمي بعد اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وسط مخاوف من توسع نطاق التهديدات إلى البنية التحتية النفطية في الخليج.
كما امتدت تداعيات الصراع إلى مناطق بعيدة عن الخليج، بعدما أشارت مجلة “تايم” الأمريكية إلى عودة نشاط القراصنة قبالة السواحل الصومالية، نتيجة تركيز القوات الغربية على حماية الملاحة في الخليج، وهو ما زاد من تكاليف النقل والتجارة العالمية.
وفي ختام المشهد، تبدو الحرب الإيرانية الأمريكية مثالا جديدا على صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي، بعدما كشفت المواجهة أن الجميع يدفع ثمن الصراع، سواء عبر استنزاف الترسانات أو ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء أو تعمق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.