لم يعد الإخفاق في بطولة كأس العالم لكرة القدم مجرد نتيجة رياضية عابرة بالنسبة إلى ألمانيا وإيطاليا، بل أصبح مؤشرا يعكس تحولات أعمق تمس البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلدين، وفق قراءتين نشرتهما صحيفتا”نيويورك تايمز”و”نيوزويك”.
إذ تشير”نيويورك تايمز”إلى أن غياب”إيطاليا”المتكرر عن نهائيات المونديال شكّل صدمة في بلد ترتبط فيه كرة القدم بالهوية الوطنية، خاصة وأن المنتخب الإيطالي، المتوج بأربعة ألقاب عالمية، بات خارج المنافسة في وقت تواجه فيه البلاد تراجعا ديموغرافيا واضحا وشيخوخة سكانية ونموا اقتصاديا بطيئا وهجرة متواصلة للكفاءات الشابة، مما يعمّق الإحساس بالأزمة.
ومن جهة أخرى، يلفت التقرير إلى أن هذا الغياب لا يُنظر إليه كفشل رياضي فقط، بل كمرآة تعكس ضعفا بنيويا أوسع، حيث يرى كتاب ومحللون أن ما يحدث في كرة القدم يعكس محدودية القدرة على تحقيق الإمكانات الكاملة للدولة، في حين تبقى لحظات المباريات الكبرى إحدى اللحظات القليلة التي توحّد الإيطاليين حول هوية مشتركة.
و تتناول”نيوزويك”حالة”ألمانيا”، معتبرة أن خروجها المبكر من المنافسات الدولية ليس حدثا معزولا، بل امتداد لتراجع بدأ بعد تتويج 2014، إذ انتقلت البلاد من نموذج رياضي واقتصادي ناجح إلى مرحلة تشهد تباطؤا في النمو منذ عام 2019، وهو ما وصفته تقارير أوروبية بـ”العقد الضائع”.
كما يربط خبراء الاقتصاد هذا التراجع بتداعيات الحرب في”أوكرانيا”وارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التجارية العالمية والمنافسة الصينية، خاصة في قطاع السيارات الذي يشكل عماد الاقتصاد الألماني، بالتوازي مع تحديات التحول الصناعي وصعود التيارات السياسية الشعبوية التي تعمّق الانقسام الداخلي.
وبالإضافة إلى ذلك، تشير المعطيات إلى أن”ألمانيا”لم تعد ذلك النموذج الأوروبي المتماسك الذي قاد القارة في العقد الماضي، رغم احتفاظها بقوة مؤسساتها وصلابة اقتصادها، إلا أن التحولات السياسية والاجتماعية أضعفت صورتها كنقطة استقرار مطلقة في أوروبا.
وتخلص القراءتان إلى أن كرة القدم، رغم طابعها الرياضي، تعكس مؤشرات أوسع لحالة الدول، إذ إن أزمة”إيطاليا”ترتبط بضعف الاستثمار في الشباب والبنية الاجتماعية، بينما تعكس أزمة “ألمانيا”ضغوط الاقتصاد والتماسك السياسي، وهو ما يجعل المستطيل الأخضر امتدادا غير مباشر لأزمات أعمق داخل أوروبا.
وهكذا، يصبح الغياب عن منصات التتويج أو الخروج المبكر من المونديال أكثر من مجرد نتيجة رياضية، بل تعبيرا عن مرحلة أوروبية تتسم بتباطؤ اقتصادي وتحولات ديموغرافية واستقطاب سياسي متزايد.