أفادت وكالة الأنباء الإسبانية «إفي» بأن المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا بلغت نحو 22 ملياراً و757 مليون يورو خلال سنة 2025، في مؤشر على عمق الروابط الاقتصادية بين البلدين، التي تشمل قطاعات صناعية حيوية، في مقدمتها صناعة مكونات السيارات والنسيج.
وبحسب تقرير للوكالة، استنادا إلى تحليل الخبير الاقتصادي مانويل أنطونيو فرنانديز فيياكانيا، فإن العلاقات المغربية الإسبانية لا تقتصر على التجارة، بل تتداخل فيها ملفات أخرى ذات طابع استراتيجي، من بينها الهجرة والأمن واللوجستيك، وهو ما يجعل أي أزمة بين الجانبين، على غرار أزمة سبتة المحتلة، ذات تداعيات تتجاوز الجانب السياسي.
ويرى الخبير الاقتصادي أن استمرار أي توتر تجاري لفترة طويلة لن تكون تداعياته متساوية على الطرفين، إذ يمتلك الاقتصاد الإسباني، بفضل حجمه وتنوع أسواقه، قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، في حين قد يواجه المغرب آثارا أكثر عمقا، خصوصا على مستوى الصناعة والاستثمار والتشغيل.
وأشارت «إفي» إلى أن الميزان التجاري ظل تاريخيا يميل لصالح إسبانيا، رغم النمو القوي الذي شهدته المبادلات الثنائية خلال السنوات الماضية. غير أن وتيرة هذا النمو بدأت في التراجع منذ 2018، ولم تعد تتجاوز ثلاثة بالمائة. وخلال العام الماضي، انخفضت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنسبة 4.1 بالمائة، متأثرة خصوصا بتراجع مبيعات الوقود، مقابل ارتفاع الواردات الإسبانية من المملكة بنسبة ستة بالمائة.
ووفق بيانات المعهد الإسباني للتجارة الخارجية، حافظت إسبانيا على موقعها كأهم شريك تجاري ثنائي للمغرب في مجالي الصادرات والواردات، رغم كون الاتحاد الأوروبي ككل يمثل الشريك التجاري الأول للمملكة. وخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنسبة 3.5 بالمائة لتصل إلى 6.42 مليار يورو، بينما سجلت الواردات من المغرب نموا بنسبة 4.1 بالمائة، لتبلغ 5.79 مليار يورو.
ويحتل قطاع السيارات موقعا محوريا في هذا الترابط الاقتصادي، إلى جانب صناعة النسيج، حيث أصبح المغرب جزءا مهما من سلاسل الإنتاج الأوروبية، مستفيداً من قربه الجغرافي من القارة. ويصدر المغرب نحو 90 بالمائة من إنتاج قطاع السيارات إلى الخارج، فيما يستحوذ السوق الإسباني على حوالي 20 بالمائة من هذه الصادرات، في ظل حضور استثمارات كبرى، من بينها «رينو» و«ستيلانتيس».
كما شهد عدد الشركات الإسبانية الموردة التي اختارت الاستقرار في المغرب ارتفاعا ملحوظا، إذ يضم التجمع الصناعي لإقليم الباسك وحده أكثر من 90 شركة تنشط في مجال المواد والمكونات المتقدمة. وترى الجمعية الإسبانية لموردي السيارات أن المغرب يمثل سوقا استراتيجيا بفضل موقعه القريب من أوروبا، وهي ميزة تمنح الموردين الإسبان أفضلية لوجستية يصعب على منافسين من الصين أو ألمانيا تعويضها، حتى مع تفوقهم أحيانا في الأسعار أو التكنولوجيا.
وحذر الخبير من أن حدوث اضطراب كبير في العلاقات التجارية قد يؤدي إلى خسارة إسبانيا لسوق مهم، لكنه سيكون أكثر تأثيراً على المغرب، نظراً لاحتمال انعكاسه على فرص العمل في القطاع الصناعي وعلى جاذبية المملكة باعتبارها منصة إنتاج موجهة إلى السوق الأوروبية، فضلاً عن إمكانية إثارة مخاوف لدى المستثمرين الدوليين.
وينطبق هذا الترابط أيضاً على قطاع النسيج، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التصدير نحو إسبانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي. وتبرز في هذا المجال شركة «إنديتكس» الإسبانية، التي تتوفر على 35 متجراً في المغرب، فيما تصنف المملكة ضمن أهم التجمعات الصناعية التي تعتمد عليها المجموعة في سلاسل إنتاجها العالمية، من خلال مصنعين وشبكة من الموردين غير الحصريين.
وفي الجانب السياحي، أكدت «إفي» أن إسبانيا تعد ثاني أكبر سوق مصدرة للسياح إلى المغرب بعد فرنسا، بعدما بلغ عدد السياح الإسبان الذين زاروا المملكة خلال 2025 نحو 4.6 ملايين سائح، بزيادة بلغت 12 بالمائة. ويشكل هذا التدفق السياحي عاملا يساعد جزئيا في موازنة العجز التجاري في السلع، كما يفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات الإسبانية في قطاع الفنادق، إلى جانب العلامات الدولية الموجودة بالفعل في السوق المغربية.
وعليه، يعكس حجم المبادلات وتشابك الاستثمارات وسلاسل الإنتاج أن العلاقات الاقتصادية المغربية الإسبانية تقوم على مصالح متبادلة وقوية، غير أن حجم اعتماد القطاعات الصناعية المغربية على السوق الأوروبية يجعل أي توتر طويل الأمد بين البلدين أكثر كلفة على الرباط، وفق التحليل الذي أوردته الوكالة الإسبانية.
