كشف اضطراب الملاحة في مضيق “هرمز” هشاشة النظام التجاري العالمي، بعدما أعادت التوترات الجيوسياسية تسليط الضوء على اعتماد الاقتصاد الدولي على ممرات بحرية ضيقة تمر عبرها الطاقة والغذاء والسلع الصناعية، وفق ما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز”.
كما أوضحت الصحيفة البريطانية أن الأزمة الحالية لا تتعلق بمضيق “هرمز” وحده، بل تشمل شبكة واسعة من نقاط الاختناق البحري” الممتدة من قناة السويس وباب المندب إلى قناة بنما ومضيق ملقا ومضيق تايوان، حيث يؤدي أي اضطراب إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتأخير الإمدادات وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
كما نقلت الصحيفة عن باحثين في جامعة أكسفورد أن اضطرابات الممرات البحرية كانت تؤثر سنويا، حتى قبل أزمة هرمز، على تجارة تُقدر بـ190 مليار دولار، متسببة في خسائر اقتصادية تناهز 14 مليار دولار.
ومن جهة أخرى، أكدت أونكتاد أن النقل البحري يؤمن أكثر من 80 في المائة من تجارة السلع العالمية، محذرة في تقريرها لسنة 2025 من دخول القطاع مرحلة تتسم بارتفاع التكاليف وتزايد المخاطر وعدم اليقين، خاصة بعد تداعيات اضطرابات البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة.
وفي التفاصيل، أبرزت البيانات الدولية أن مضيق هرمز يمثل شريانا أساسيا للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل ربع تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، بينما تتجه غالبية هذه الكميات نحو الأسواق الآسيوية.
إلى جانب ذلك، تمر عبر المضيق أغلب صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر والإمارات، ما يجعل أي إغلاق أو تقييد للملاحة فيه تهديدا مباشرا لأسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الصناعية والغذائية.
وأظهرت بيانات حديثة صادرة عن منظمة التجارة العالمية و”إيه إكس إس مارين” أن إغلاق المضيق في فبراير 2026 تسبب خلال شهرين فقط في تراجع تدفقات النفط الخام بنسبة 95 في المائة، والغاز الطبيعي المسال بنسبة 99 في المائة، إضافة إلى انخفاض شحنات الأسمدة والمنتجات الزراعية المتجهة إلى موانئ الخليج.
حيث لجأت شركات الشحن العالمية خلال أزمات سابقة إلى تغيير مساراتها لتفادي مناطق التوتر، كما حدث بعد اضطرابات البحر الأحمر، حين فضلت العديد من السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدل عبور قناة السويس، رغم ما ترتب عن ذلك من ارتفاع في التكاليف وإطالة مدة الرحلات.
كما حذرت التقارير الدولية من أن المخاطر التي تهدد التجارة البحرية لم تعد مرتبطة بالحروب فقط، بل تشمل أيضا التغيرات المناخية والجفاف والقرصنة والتنافس المتصاعد بين القوى الكبرى، وهو ما ظهر بوضوح في أزمة الجفاف التي أثرت على نشاط قناة بنما خلال السنوات الماضية.
وترى “فايننشال تايمز” أن الممرات البحرية تحولت تدريجيا من بنية تحتية محايدة إلى أدوات ضغط جيوسياسي، في ظل تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وسعي القوى الاقتصادية الكبرى إلى إيجاد بدائل تقلل اعتمادها على نقاط الاختناق البحرية التقليدية.
وفي ختام تقريرها، أشارت الصحيفة إلى أن شركات الشحن والتجارة الدولية باتت تركز اليوم على “المرونة” أكثر من “الكلفة”، بعدما فرضت الأزمات المتلاحقة واقعا جديدا يجعل تأمين الإمدادات وتعدد المسارات أولوية استراتيجية للاقتصاد العالمي.