كشفت تجارب الدول التي استضافت نهائيات كأس العالم لكرة القدم خلال العقدين الأخيرين أن المكاسب الاقتصادية للبطولة ليست مضمونة بالقدر الذي تروج له ملفات الترشح، وأن العوائد الحقيقية غالباً ما ترتبط بالقوة الناعمة والبنية التحتية وتحسين الصورة الدولية أكثر من ارتباطها بالنمو الاقتصادي المباشر.
وأظهرت دراسات وتقارير اقتصادية تناولت النسخ الأخيرة للمونديال أن تأثير البطولة على الناتج المحلي الإجمالي وسوق الشغل يظل محدوداً في كثير من الحالات، بينما تحقق الدول المضيفة مكاسب طويلة الأمد عندما تنجح في دمج الحدث ضمن رؤية تنموية شاملة تتجاوز فترة المنافسات.
حيث قدمت “ألمانيا” نموذجاً لنجاح القوة الناعمة، إذ استفادت من البطولة لتحسين صورتها الدولية وتعزيز جاذبيتها السياحية، رغم أن الأثر الاقتصادي المباشر لم يتجاوز نسبة محدودة من اقتصادها الضخم. كما ساهمت البطولة في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المؤقتة وتحقيق إيرادات ضريبية إضافية، دون أن تحدث تحولاً ملموساً في معدلات البطالة.
أما “جنوب أفريقيا”، فقد نجحت في تنظيم أول كأس عالم على الأراضي الإفريقية، لكنها واجهت تحديات مرتبطة بارتفاع التكاليف وضعف العوائد السياحية مقارنة بالتوقعات الأولية. كما برزت بعد البطولة إشكالية المنشآت الرياضية المكلفة التي تحولت إلى عبء مالي على السلطات المحلية، فيما عُرف بظاهرة “الفيلة البيضاء”.
من جهتها، دخلت “البرازيل” المنافسة بطموحات اقتصادية كبيرة، غير أن التكاليف المرتفعة والاحتجاجات الشعبية والأزمة الاقتصادية التي تلت البطولة قلصت من حجم المكاسب المنتظرة. ورغم استفادة قطاعات عديدة من الإنفاق المرتبط بالمونديال، فإن العديد من الدراسات اعتبرت أن العائدات لم تكن متناسبة مع حجم الاستثمارات العمومية .
وفي “روسيا”، شكلت البطولة فرصة لتعزيز الحضور الدولي لموسكو في ظل ظروف سياسية معقدة، حيث استفادت البلاد من مشاريع كبرى في النقل والسياحة والبنية الرياضية، كما وظفت الحدث كأداة للقوة الناعمة والدبلوماسية الرياضية، رغم أن الأثر الاقتصادي طويل الأمد ظل محدوداً مقارنة بحجم الاقتصاد الروسي.
وفي المقابل، تعد تجربة “قطر” من أبرز النماذج التي ربطت تنظيم كأس العالم بمشروع تنموي متكامل. فقد استثمرت الدوحة في شبكات النقل والمرافق السياحية والبنية التحتية ضمن رؤية وطنية طويلة الأمد، كما واصلت تسجيل نمو ملحوظ في القطاع السياحي بعد انتهاء البطولة، مع نجاحها في تفادي مشكلة المنشآت غير المستغلة عبر خطط تشغيل مستدامة للملاعب والمرافق الرياضية.
وتؤكد هذه التجارب أن النجاح الحقيقي للمونديال لا يقاس فقط بحجم العائدات المالية المباشرة، بل بمدى قدرة الدول على تحويل الحدث إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والسياحية وتعزيز المكانة الدولية. كما أن استدامة المشاريع واستغلال المنشآت بعد البطولة يظلان من أبرز المؤشرات على نجاح الإرث الذي يتركه الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
ومع اقتراب تنظيم كأس العالم 2026، تتجدد التساؤلات حول قدرة الدول المضيفة على تحقيق مكاسب اقتصادية حقيقية، في وقت تشير فيه تجارب الماضي إلى أن القوة الناعمة والتأثير الدولي يظلان من أبرز الرهانات التي تحققها الدول من استضافة هذا الحدث العالمي.