مضت ثمانية وعشرون عاماً بين صافرتين، صافرةٌ في مونديال”فرنسا” 1998 وضعت المنتخب المغربي في مواجهة سحر السامبا البرازيلية، وأخرى أعادت إحياء المواجهة نفسها في مونديال 2026، لكن الفارق بين اللحظتين لا يُقاس بالزمن بقدر ما يُقاس بتحول عميق في الشخصية الكروية لأسود الأطلس.
في مباراة 1998، بدا المنتخب المغربي على أرضية ملعب «جوفروا غيشار» وكأنه يواجه خصماً أكبر من قدرته على المواجهة، إذ انتهت المباراة بثلاثية نظيفة لصالح البرازيل بقيادة أسماء لامعة مثل”رونالدو”و”ريفالدو”و”كافو”، بينما طغى الحذر والتردد على الأداء المغربي، فغابت المبادرة وتراجعت الثقة تحت ضغط رهبة الموعد العالمي.
وبين الأمس واليوم، تغيرت ملامح المشهد بالكامل، إذ ظهر المنتخب المغربي في مونديال 2026 بصورة مغايرة، فريق لا يكتفي بالدفاع أو مراقبة الإيقاع، بل يبادر إلى الضغط وبناء اللعب بثقة واضحة، ويظهر قدرة أكبر على التعامل مع لحظات الضغط العالي دون فقدان التوازن أو الهوية التكتيكية.
وإلى جانب هذا التحول، برز عنصر الحسم في ما يمكن وصفه بـ«التطور الذهني»، حيث لم يعد اللاعب المغربي أسير الخوف من الاسم الكبير للمنافس، بل أصبح أكثر قدرة على فرض شخصيته داخل المستطيل الأخضر، وهو ما انعكس في سلوك جماعي منظم وقدرة على التحكم في نسق المباراة في فترات متعددة.
ومن أبرز تجليات هذا التحول، الأداء اللافت للاعب الشاب”أيوب بوعدي”، الذي تحرك بثقة بين الخطوط، وطلب الكرة في مناطق الضغط، وشارك في بناء اللعب دون تردد، في صورة تعكس جيلاً جديداً من اللاعبين المغاربة الذين نشأوا في بيئة تنافسية أعلى وأكثر احترافية.
كما لعب المدرب”محمد وهبي”دوراً محورياً في هذا التطور، من خلال فلسفة تعتمد على المبادرة والجرأة في الاستحواذ، ومنح اللاعبين حرية أكبر في اتخاذ القرار داخل الملعب، ما ساهم في تعزيز الثقة الجماعية وتطوير أسلوب لعب أكثر توازناً ومرونة.
تكتيكياً، نجح المنتخب المغربي في تقليص المساحات بين الخطوط، وأحسن التعامل مع التحولات الدفاعية السريعة، في حين ساهم خط الوسط في تحقيق توازن واضح بين الواجبين الدفاعي والهجومي، ما حد من خطورة البرازيل وقلص قدرتها على الاختراق.
ومع مرور دقائق المباراة، حافظ المنتخب المغربي على هدوئه الذهني رغم الضغط المتواصل، ولم يتأثر بتقدم النتيجة أو بمحاولات العودة من الخصم، وهو ما يعكس نضجاً تكتيكياً ونفسياً يميز المنتخبات الكبرى القادرة على المنافسة في أعلى المستويات.
وبين مونديال 1998 ومونديال 2026، يبدو أن الفارق الحقيقي لم يعد في الأسماء أو المهارات الفردية فقط، بل في الشخصية الحديدية التي أصبحت عنواناً لمنتخب قادر على تغيير معادلة المواجهة أمام كبار العالم، وصناعة حضور مختلف في المشهد الكروي الدولي.