دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إرساء سياسة عمومية وطنية مندمجة تهدف إلى القضاء على تشغيل الأطفال بالمغرب، تقوم على مبدأ “عدم التسامح مطلقا” مع تشغيل من هم دون سن السادسة عشرة، مع ربط الدعم الاجتماعي للأسر الهشة بمدى التزام أبنائها بالتمدرس والتكوين، وتأطير انتقال الفئة ما بين 16 و18 سنة نحو مسارات التكوين المهني بشكل قانوني وآمن.
حيث أكد رئيس المجلس عبد القادر أعمارة أن المغرب راكم تقدما مهما في مجال حماية الطفولة، غير أن استمرار بعض مظاهر تشغيل الأطفال، خاصة في الأعمال الخطرة والعمل المنزلي والاستغلال الاقتصادي، يفرض الانتقال من المقاربات القطاعية إلى سياسة وطنية موحدة أكثر صرامة وفعالية، قادرة على معالجة جذور الظاهرة.
ومن جهة أخرى، أبرز أعمارة أن تشغيل الأطفال لا ينعكس فقط على مسارهم التعليمي، بل يترك آثارا عميقة على النمو النفسي والجسدي والعاطفي، كما يحد من قدرة المجتمع على بناء تنمية دامجة ومستدامة، مشددا على أن أي طفل خارج المدرسة بسبب الفقر أو الهشاشة يظل وضعه غير مقبول اجتماعيا وتنمويا.
و سجل المجلس أن الظاهرة ما تزال مرتبطة بعوامل متعددة، أبرزها الهشاشة الاقتصادية للأسر، وضعف المنظومة التعليمية في بعض المناطق، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، إضافة إلى تمثلات ثقافية تعتبر العمل المبكر أمرا عاديا، خاصة في الوسط القروي.
وعلاوة على ذلك، أشار التقرير إلى أن تشغيل الأطفال لم يعد محصورا في الأشكال التقليدية، بل أصبح يأخذ أبعادا جديدة مرتبطة بالتحولات الرقمية والاقتصادية، ما يستدعي تحديث الإطار القانوني، خصوصا لائحة الأشغال الخطرة، بما يتلاءم مع المخاطر المستجدة في سوق العمل.
وفي المقابل، أوصى المجلس برفع السن الأدنى لتشغيل الأحداث داخل المقاولات إلى 16 سنة، وتحيين لائحة الأعمال المحظورة، مع إدراج المخاطر المرتبطة بالعمل عبر المنصات الرقمية، داعيا في الوقت نفسه إلى ربط دعم المقاولات بعدم تورطها في تشغيل الأطفال، وتوسيع آليات المراقبة والعقوبات.
كما شدد المجلس على ضرورة تعزيز جهاز تفتيش الشغل، وتحديث أدواته الرقمية، وربط المخالفات بعقوبات صارمة قد تصل إلى سحب التراخيص والحرمان من الدعم العمومي، مع تفعيل أجهزة التراب لحماية الطفولة وإرساء منظومة تتبع دقيقة للظاهرة.
ومن جهة أخرى، دعا المجلس إلى تقوية دور الجمعيات المحلية باعتبارها خط التدخل الأول، من خلال دعمها ماديا ولوجستيا، وتمكينها من مواكبة الأطفال وإعادة إدماجهم في المدرسة أو التكوين، إلى جانب تحسين آليات التبليغ عبر منصات رقمية موحدة.
كما كشفت معطيات الاستشارة المواطنة التي نظمها المجلس عن وعي مجتمعي متزايد بخطورة الظاهرة، حيث اعتبر أغلب المشاركين أنها منتشرة، مع تسجيل أن الفقر والهدر المدرسي وبطالة الأسر تأتي في مقدمة أسباب استمرارها، مقابل تأكيد أن دعم الأسر وتعزيز التعليم يشكلان أبرز أولويات الحل.
وفي الختام، أكد المجلس أن القضاء على تشغيل الأطفال يظل رهينا بتنمية أكثر عدلا وإنصافا، وبسياسات عمومية متكاملة تضع الطفل في قلب الأولويات، باعتبار أن الاستثمار في الطفولة هو استثمار مباشر في مستقبل البلاد.