أصدر رئيس المجلس العسكري في مالي،الجنرال عاصمي غويتا، عفوا عن ضابط الاستخبارات الخارجية الفرنسية «DGSE» يان فيزيلييه، بعد نحو عام من احتجازه والحكم عليه بالسجن 20 سنة، مع اشتراط مغادرته الأراضي المالية فورا، في خطوة أنهت واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المتوترة بين باماكو وباريس.
ويأتي القرار بعد إدانة فيزيلييه، البالغ من العمر 45 عاما، في قضية مرتبطة بالمساس بأمن الدولة والتورط، وفق الاتهامات المالية، في مخطط لزعزعة استقرار النظام الحاكم، بينما أكدت السلطات في باماكو أن العفو لا يلغي الوقائع والأحكام التي صدرت في الملف، مع التشديد على احترام حقوق الدفاع خلال المحاكمة.
وتعود القضية إلى غشت 2025، حين اعتقلت السلطات المالية فيزيلييه رفقة عدد من العسكريين والضباط الماليين، بعدما اتهمته بالتنسيق مع متهمين ماليين في مخطط لزعزعة استقرار البلاد، إضافة إلى صلات مزعومة بجبهة تحرير أزواد الانفصالية. وفي المقابل، رفضت باريس هذه الاتهامات، واعتبرت أن وجود فيزيلييه في مالي كان معلوما لدى السلطات، بالنظر إلى صفته الدبلوماسية واعتماد مهمته رسميا.
وبعد ذلك، أصدرت محكمة في باماكو، في يونيو الماضي، حكما بالسجن 20 عاما في حق الضابط، إثر محاكمة جرت بعيدا عن الأضواء، وهو الحكم الذي زاد من حدة التوتر بين فرنسا ومالي، في وقت تشهد فيه علاقات البلدين تراجعا حادا منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة وإعادة باماكو توجيه تحالفاتها الأمنية نحو روسيا.
وفي المقابل، تشير المعطيات المتداولة بشأن مسار الإفراج إلى تدخلات ووساطات متعددة، من بينها تحركات قطرية وإماراتية ومحاولة قام بها الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، غير أن صحيفة «لوموند» أفادت بأن المغرب لعب دورا مهما في المفاوضات التي انتهت إلى الإفراج عن الضابط الفرنسي.
ويكتسي الدور المغربي أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقات التي تحتفظ بها الرباط مع كل من باريس وباماكو، فضلا عن نجاح وساطة مغربية سابقة ساهمت في الإفراج عن أربعة فرنسيين كانوا معتقلين في بوركينا فاسو، ما يعزز موقع المملكة كطرف قادر على التحرك بين عواصم متباعدة سياسيا وأمنيا.
ومن جهة أخرى، يعكس ملف فيزيلييه حجم التحول الذي تعرفه البيئة الأمنية في منطقة الساحل، حيث تراجعت أدوار فرنسا التقليدية، مقابل صعود مقاربات جديدة للتحالفات الأمنية والعسكرية لدى الدول التي تقودها مجالس عسكرية، وهو ما جعل قضايا الاستخبارات والتعاون الأمني أكثر حساسية من أي وقت مضى.
وبذلك، ينهي قرار العفو مرحلة قضائية وأمنية شائكة بين مالي وفرنسا، لكنه لا يمحو آثار الأزمة ولا يبدد جميع التوترات التي رافقت القضية، خصوصا أن الإدانة ما تزال قائمة من الناحية القانونية، بينما جاء الإفراج مقرونا بالإبعاد الفوري عن مالي.
ويفتح هذا التطور، في المقابل، الباب أمام اختبار جديد للدبلوماسية المغربية في منطقة الساحل، في ظل تزايد الحاجة إلى قنوات تواصل غير مباشرة تساعد على احتواء الأزمات المعقدة، خصوصا عندما تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والدبلوماسية والسياسية.