يطرح المفكر وعالم الاجتماع المغربي محمد الناجي قراءة تحليلية لنتائج الاقتراع تتجاوز الأرقام والنسب المعلنة، للبحث في الخلفيات التاريخية والاجتماعية التي تؤطر سلوك الدولة وآليات اشتغال السلطة في العالم العربي، مع تركيز خاص على الحالة المغربية.
وتقوم هذه المقاربة على الجمع بين التحليل التاريخي لبنية السلطة والقراءة السوسيولوجية لآليات الضبط الاجتماعي، بما يفتح النقاش حول طبيعة الوظيفة التي تؤديها الانتخابات داخل بنية الدولة، ومدى ارتباطها بإنتاج التغيير السياسي أو بإعادة إنتاج التوازنات القائمة.
الاقتراع بين التحديث الشكلي واستمرارية السلطة
يرى الناجي، وفق هذه المقاربة، أن المؤسسات الانتخابية في المنطقة العربية لم تتطور بالضرورة وفق المسار نفسه الذي عرفته الديمقراطيات الغربية، حيث ارتبط تشكل المؤسسات السياسية بصراعات اجتماعية وتعاقدات تاريخية حول السلطة.
ومن هذا المنظور، يُطرح الاقتراع باعتباره جزءاً من عملية تحديث مؤسساتي لم تقطع بشكل كامل مع أنماط تقليدية في ممارسة السلطة.
ويصف الناجي هذا التحول، في قراءة تحليلية، باعتباره انتقالاً من مفهوم «البيعة» التقليدية إلى شكل انتخابي حديث، بحيث تصبح صناديق الاقتراع، بحسب هذا التصور، وسيلة لتجديد العلاقة بين المركز ومحيطه السياسي والاجتماعي، بدل أن تكون بالضرورة أداة حاسمة لتداول السلطة.
كما تبرز في هذه القراءة مسألة مركزية القرار، إذ تفترض أن بعض الملفات الاستراتيجية وصناعة القرار السيادي تظل خارج نطاق التأثير المباشر للمؤسسات المنبثقة عن الانتخابات، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود تأثير نتائج الاقتراع في السياسات العامة.
هندسة النتائج ودور النخب المحلية
وتتوقف المقاربة السوسيولوجية عند الطريقة التي تتشكل بها النتائج الانتخابية، معتبرة أن العملية لا تجري فقط وفق التنافس بين البرامج والأحزاب، وإنما تتداخل فيها عوامل اجتماعية وقانونية وترابية.
وفي هذا السياق، تحضر مسألة النخب التقليدية والأعيان، خصوصاً في المناطق القروية والأطراف، حيث تلعب شبكات النفوذ المحلي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية دوراً في توجيه السلوك الانتخابي.
وبحسب هذه القراءة، يمكن أن يؤدي الاعتماد على شبكات الولاء والمصالح إلى إضعاف البعد البرنامجي والأيديولوجي للعملية الانتخابية، وتحويل جزء منها إلى علاقات قائمة على تبادل المنافع والخدمات.
كما يربط الناجي بين بنية القوانين الانتخابية والتقطيع الترابي وبين طبيعة النتائج التي يفرزها الاقتراع، معتبراً أن بعض الآليات القانونية قد تساهم في تشظي الخريطة السياسية وصعوبة حصول قوة سياسية واحدة على أغلبية مريحة.
ويرى هذا الطرح أن استمرار التعددية المجزأة يفرض على الأحزاب اللجوء إلى التحالفات، وهو ما يجعل تشكيل الحكومات مرتبطاً بتوازنات سياسية متعددة ومعقدة.
العزوف الانتخابي.. بين اللامبالاة والاحتجاج الصامت
وتحظى ظاهرة العزوف عن التصويت بمكانة أساسية في هذه القراءة، إذ يرفض الناجي اختزال ضعف المشاركة في عدم اهتمام المواطنين بالشأن العام أو في نقص الوعي السياسي.
وبدل ذلك، ينظر إلى العزوف باعتباره، في بعض الحالات، تعبيراً عن أزمة ثقة بين قطاعات من المجتمع والمؤسسات السياسية، وعن اعتقاد لدى بعض الناخبين بأن نتائج الانتخابات لن تحدث تحولاً جوهرياً في موازين القوى.
ومن هذا المنظور، لا يصبح الامتناع عن التصويت مجرد غياب عن صناديق الاقتراع، وإنما يمكن أن يحمل، وفق القراءة السوسيولوجية، دلالة سياسية تعكس المسافة القائمة بين المجتمع والمؤسسات المنتخبة.
ويكشف هذا التصور عن مفارقة أساسية: فكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والمؤسسات السياسية، أصبح قياس شرعية العملية الانتخابية مرتبطاً ليس فقط بعدد المشاركين، وإنما أيضاً بدرجة الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
من «المواطن» إلى «الناخب الزبون»
وفي صلب التحليل الذي ينسب إلى الناجي، تبرز إشكالية المواطنة باعتبارها عنصراً مركزياً في فهم العلاقة بين الدولة والناخب.
ففي ظل الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، يمكن أن يصبح الناخب أكثر عرضة لتأثير المال الانتخابي أو الوعود المرتبطة بالمنافع والخدمات، بما قد يحول العلاقة الانتخابية من تعبير عن اختيار سياسي مستقل إلى علاقة زبونية تقوم على تبادل المصالح.
وتبعاً لهذا التصور، فإن استمرار هذه الآليات قد يحد من قدرة المؤسسات المنتخبة على تمثيل المصالح العامة بشكل مستقل، خصوصاً عندما تكون بعض النخب قد اعتمدت على شبكات محلية ومصالح اقتصادية واجتماعية للوصول إلى مواقع القرار.
كما تطرح هذه الوضعية سؤالاً أوسع حول مفهوم المواطنة السياسية، ومدى قدرة الانتخابات على الانتقال من مجرد عملية لاختيار ممثلين إلى فضاء فعلي لممارسة الحقوق والمساءلة والمشاركة في صناعة القرار.
الاقتراع كمرآة لبنية السلطة
في المحصلة، تضع قراءة محمد الناجي نتائج الاقتراع ضمن سياق تاريخي وسوسيولوجي أوسع، بحيث لا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام تحدد حجم الأحزاب ومواقعها، وإنما باعتبارها مؤشراً على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والنخب السياسية.
وتخلص هذه المقاربة إلى أن فهم الانتخابات، في الحالة المغربية والعربية، يقتضي تجاوز النتائج المعلنة نحو دراسة آليات إنتاجها، وشبكات النفوذ التي تحيط بها، ومستوى المشاركة، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار.
وبذلك، تتحول الانتخابات من مجرد موعد دوري للتصويت إلى موضوع سوسيولوجي يكشف طبيعة التوازنات داخل المجتمع والدولة، ويعيد طرح أسئلة أساسية حول المواطنة، والتمثيلية، والشرعية، وحدود تأثير المؤسسات المنتخبة في صناعة القرار.
