حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من تنامي خطر الجوع عالميا نتيجة استمرار النزاعات المسلحة، مؤكداً أن ما لا يقل عن 266 مليون شخص واجهوا انعداماً حاداً في الأمن الغذائي خلال العام الماضي، في وقت يشهد فيه العالم أكبر عدد من الصراعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية.
وأوضح غوتيريش، خلال جلسة نقاشية لمجلس الأمن الدولي حول السلم والأمن انعقدت في 25 غشت الجاري، أن الصراع والعنف أصبحا المحركين الرئيسيين للجوع في 12 بؤرة من أصل 13 بؤرة ساخنة حول العالم، بينما سُجلت ظروف المجاعة في مكانين في الوقت نفسه لأول مرة خلال القرن الحالي، وهما مناطق في السودان وقطاع غزة.
وفي السياق ذاته، حذر المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، من اتساع الحلقة المفرغة التي تربط النزاعات بانعدام الأمن الغذائي، مستشهداً بتجربة أسرة صومالية مكونة من أربعة أطفال التقاها خلال زيارته للصومال الأسبوع الماضي.
وقال سكاو إن الأسرة اضطرت إلى مغادرة مزرعتها بعدما طالبتها جماعات مسلحة بدفع أموال مقابل مواصلة زراعة الأرض، قبل أن تقطع نحو 100 كيلومتر سيراً على الأقدام للوصول إلى مخيم للنازحين، في رحلة انتهت بوفاة أحد الأطفال.
وتتجاوز تداعيات النزاعات، وفق المسؤول الأممي، ساحات القتال لتطال المزارع والموانئ والأسواق ومرافق التخزين وطرق الشحن، ما يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المواد الغذائية حتى في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن مناطق الصراع.
وأشار سكاو إلى أن منطقة البحر الأسود، التي تمثل ممرا أساسيا لتجارة الحبوب العالمية، تأثرت بدورها بالهجمات المتصاعدة، مبرزاً أن روسيا وأوكرانيا تعدان من كبار مصدري الحبوب، فيما انخفضت شحنات الحبوب عبر مضيق البوسفور بنسبة 40 في المائة مقارنة بالعام السابق، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي.
كما أدت الهجمات على السفن التجارية إلى عرقلة حركة التجارة عبر البحر الأحمر، بينما تأثر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من إمدادات النفط العالمية وثلث تجارة الأسمدة، بالقيود وعمليات الإغلاق التي ساهمت في ارتفاع أسعار السلع.
وتربط هذه التطورات، بحسب برنامج الأغذية العالمي، ثلاثة ممرات بحرية استراتيجية هي البحر الأسود والبحر الأحمر ومضيق هرمز، حيث يمكن للاضطرابات التي تطالها أن تنتقل آثارها إلى أسواق الطاقة والأسمدة والغذاء، لتتحول الحروب البعيدة إلى تكاليف مباشرة بالنسبة إلى الدول المعتمدة على الواردات.
وفي إفريقيا، تبرز تداعيات هذه الأزمة بشكل خاص في السودان والصومال، حيث ارتفعت تكاليف الغذاء الأساسي في السودان بنحو 40 في المائة منذ فبراير الماضي، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الوقود التي تنعكس على عمليات الري والنقل والطحن، بينما تهدد اضطرابات صادرات الأسمدة مواسم زراعية في مناطق من إفريقيا وآسيا.
ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن التداعيات الكاملة للصراعات الحالية قد لا تظهر إلا خلال مواسم الحصاد المقبلة، في ظل تدمير المزارع والأسواق وإجبار السكان على النزوح، ما يجعل المجتمعات الفقيرة والنازحة أكثر عرضة للاستقطاب والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية.
وفي الصومال، يواجه نحو ستة ملايين شخص، أي قرابة ثلث السكان، مستويات حادة من الجوع أو أوضاعاً أسوأ، فيما يعاني ما يقرب من مليوني طفل من سوء التغذية الحاد أو الوخيم، بينما لا يتمكن برنامج الأغذية العالمي، وفق سكاو، من تقديم المساعدة سوى لنحو 600 ألف شخص.
وزادت صعوبة إيصال المساعدات بعدما حال القتال في مدينة بيدوا الأسبوع الماضي دون وصول الوكالة إلى نحو خمسة آلاف طفل كانوا بحاجة إلى المساعدات الغذائية.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة التحذير الأممي من الحلقة المفرغة بين النزاع المسلح وانعدام الأمن الغذائي، وهي العلاقة التي أقرها مجلس الأمن رسمياً سنة 2018 من خلال القرار رقم 2417، فيما يؤكد غوتيريش أن هذه الحلقة لا تزال مستمرة رغم مرور سنوات على اعتماد القرار.
وفي الوقت الذي تحسنت فيه قدرة المجتمع الدولي على رصد مؤشرات الجوع والتنبؤ بالمجاعات، يرى المسؤولون الأمميون أن الإشكال الأساسي يكمن في الاستجابة للتحذيرات قبل تفاقم الأوضاع.
واستُحضرت في هذا السياق المجاعة التي ضربت الصومال بين عامي 2010 و2012 وأودت بحياة نحو 260 ألف شخص، نصفهم تقريباً من الأطفال، مقابل نجاح التدخلات الإنسانية المكثفة في عامي 2017 و2022 في تفادي الوصول إلى المستوى الكارثي نفسه.
أما السودان، فيقدم، وفق المسؤولين الأمميين، نموذجا مغايرا، بعدما لم تُتخذ إجراءات حاسمة رغم وضوح مؤشرات الخطر.
ودعا غوتيريش مجلس الأمن إلى حماية البنية التحتية الغذائية والتحرك بمجرد ظهور مؤشرات الإنذار، وعدم انتظار الإعلان الرسمي عن وقوع المجاعة، محذراً من مفارقة تتمثل في قدرة العالم المتزايدة على تحديد أماكن الجوع مقابل تراجع قدرته واستعداده لمنعه، في ظل تصاعد النزاعات وأعداد النازحين وتقلص الموارد المخصصة للعمل الإنساني.
