وسعت الفرقة الوطنية للجمارك نطاق اعتمادها على الأدوات الرقمية المتطورة في مراقبة عمليات الاستيراد، من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات التجارية والجمركية، بهدف تحديد الاختلالات المحتملة في القيم المصرح بها للبضائع المستوردة، وذلك عقب رصد مؤشرات مخاطر مرتبطة بفوارق الأسعار المسجلة في عدد من العمليات التجارية.
ووفق معطيات أوردتها مصادر مطلعة، انطلقت عمليات التدقيق من معالجة بيانات الاستيراد وعزل الملفات التي كشفت عن تفاوتات بين الأسعار الواردة في الفواتير التجارية والقيم المرجعية للسلع في أسواق المنشأ، ما دفع المصالح المختصة إلى توسيع نطاق التحريات لتشمل المستوردين المغاربة والمصدرين الأجانب المرتبطين بهذه العمليات.
وشملت الأبحاث فحص الفواتير والوثائق التجارية المرفقة بالتصريحات الجمركية، ومقارنتها بالمعطيات المتوفرة لدى إدارة الجمارك، إلى جانب الاستعانة بقواعد بيانات ومعلومات متبادلة مع إدارات جمركية أجنبية وهيئات مهنية، بهدف التحقق من القيمة الحقيقية للشحنات ومدى مطابقة الأسعار المصرح بها للمعاملات التجارية في الأسواق الدولية.
وأسفرت عمليات المراجعة والتدقيق عن تسويات مالية مكنت من تحصيل موارد إضافية تناهز 50 مليون درهم، أي ما يعادل 5 مليارات سنتيم، توزعت بين الرسوم والغرامات والمصاريف المرتبطة بعمليات التحصيل، في إطار الجهود الرامية إلى مكافحة التلاعب بالقيم الجمركية وحماية المداخيل العمومية.
وساهمت تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في تسريع معالجة المعلومات ورصد أنماط غير اعتيادية في التصريحات الجمركية، خاصة تلك المرتبطة بتكرار استيراد سلع متشابهة بأسعار متفاوتة بشكل ملحوظ، أو تسجيل اختلافات بين القيم المصرح بها والأسعار المتداولة لدى المصدرين والأسواق الخارجية.
وامتدت التحريات إلى فواتير صادرة عن شركات أجنبية، خصوصا من الصين وعدد من البلدان الآسيوية، بعدما أظهرت عمليات تحليل المخاطر مؤشرات تستدعي التدقيق في المعاملات المرتبطة بها. وركزت الأبحاث على طبيعة العلاقات التجارية بين المصدرين والمستوردين المغاربة، وتتبع تسلسل الفواتير وعمليات الشحن والأداء، للتحقق من صحة المعطيات المقدمة خلال إجراءات التخليص الجمركي.
كما شملت عمليات الافتحاص قطاعات اقتصادية لم تكن تحظى سابقا بالمستوى نفسه من المراقبة المكثفة، بعدما كشفت معالجة البيانات عن مؤشرات لاحتمال وجود تلاعب في القيم المصرح بها لبعض السلع المستوردة، وهو ما استدعى إخضاع الملفات المعنية لمراجعات إضافية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات، بحسب المصادر ذاتها، على فقدان موارد جمركية، بل تمتد إلى التأثير على شروط المنافسة داخل السوق الوطنية، من خلال تمكين بعض المستوردين من تقليص التكاليف الجمركية والجبائية بصورة غير مشروعة، بما قد يخل بتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
وفي سياق تعزيز آليات المراقبة، عملت المصالح الجمركية على تقاطع بيانات الاستيراد مع المعلومات المتاحة لدى عدد من الإدارات والمؤسسات العمومية، بما فيها المعطيات التجارية والجبائية والمالية للمقاولات المعنية، بهدف التحقق من مدى انسجام التصريحات الجمركية مع الوضعيات المصرح بها لدى الجهات المختصة، ورصد الاختلالات التي تستدعي تعميق البحث.
ويعكس توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة الجمركية توجها نحو تطوير آليات استهداف العمليات عالية المخاطر، وتسريع معالجة الملفات التجارية، وتعزيز فعالية التحصيل، إلى جانب الحد من الممارسات التي قد تؤثر على التوازنات المالية للدولة وشروط المنافسة في السوق الوطنية.