تقترب الحرب السودانية من اختبار جديد بعدما امتدت تداعياتها إلى الحدود مع تشاد، وسط تحذيرات إفريقية ودولية من تحول الصراع إلى أزمة إقليمية أوسع، عقب تقارير عن ضربات جوية داخل الأراضي التشادية ورفع نجامينا مستوى التأهب العسكري.
وأعرب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، عن قلقه إزاء الضربات الجوية التي وقعت في 20 غشت الجاري بمنطقة إنيدي الشرقية داخل الأراضي التشادية، مؤكداً ضرورة احترام سيادة الدول وحرمة الحدود، وداعيا جميع الأطراف إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع امتداد النزاع السوداني إلى خارج البلاد.
وجاء الموقف الإفريقي بعدما اتهمت السلطات العسكرية التشادية القوات السودانية بتنفيذ ضربات استهدفت قافلة مركبات على بعد أكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية، وهو ما دفع نجامينا إلى رفع درجة التأهب لقواتها والتحذير من نقل العمليات العسكرية إلى أراضيها.
وتحمل هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الحدود السودانية التشادية، التي تحولت منذ اندلاع الحرب في السودان إلى مسار رئيسي لحركة اللاجئين والإمدادات، فيما تتهم السلطات السودانية تشاد بالسماح بمرور أسلحة وإمدادات إلى قوات الدعم السريع عبر أراضيها، وهي اتهامات تنفيها نجامينا وأبوظبي.
ولا تبدو المخاوف من انتقال الحرب إلى دول الجوار مرتبطة بتشاد وحدها، إذ تشير تقارير حديثة إلى تزايد التوترات على الحدود السودانية الإثيوبية أيضاً، بعدما اتهمت الخرطوم جهات داخل إثيوبيا بتسهيل تحركات أو عمليات مرتبطة بقوات الدعم السريع، في وقت تشهد فيه المنطقة الحدودية نفسها نشاطاً عسكرياً متزايداً.
ويزيد هذا الوضع من تعقيد المشهد العسكري، خصوصاً مع اعتماد طرفي الحرب على طائرات مسيرة وشبكات إمداد تمتد خارج الحدود السودانية. وفي هذا السياق، حذرت الولايات المتحدة بدورها من أن الدعم العسكري والمالي الخارجي قد يدفع مزيداً من الدول المجاورة إلى الانخراط في الصراع، ودعت إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان ليشمل البلاد بأكملها، بما في ذلك الطائرات المسيرة.
وبالتوازي مع البعد العسكري، تدفع الحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023 أعدادا كبيرة من السكان إلى عبور الحدود نحو الدول المجاورة، ما يفرض ضغوطاً إضافية على دول مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا، ويجعل استمرار القتال عاملاً مؤثراً في أمن المنطقة واستقرارها الإنساني.
كما أن هشاشة الأوضاع الأمنية في جنوب السودان تفتح جبهة أخرى للمخاوف الإقليمية، في وقت تواجه فيه جوبا أصلاً اضطرابات داخلية، بينما شهدت البلاد خلال الأيام الأخيرة هجوماً على دورية لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أسفر عن مقتل جنديين إثيوبيين وإصابة آخرين.
ويبرز من خلال هذه التطورات أن الحرب السودانية لم تعد محصورة في التنافس بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعدما أصبحت الحدود والممرات الإقليمية جزءا من حسابات الصراع، سواء عبر حركة اللاجئين أو خطوط الإمداد أو الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي.
ومع ذلك، لا تعني التطورات الحالية بالضرورة أن حربا إقليمية شاملة قد اندلعت، إذ لا تزال المؤشرات المتاحة تدور أساسا حول حوادث عابرة للحدود وتوترات مرتبطة بالعمليات العسكرية وشبكات الإمداد، وهو ما يفسر تركيز الاتحاد الإفريقي على منع التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة مباشرة بين دول المنطقة.
لكن استمرار الضربات والاتهامات المتبادلة، بالتزامن مع هشاشة الوضع الأمني في عدد من دول الجوار، يضع المنطقة أمام سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في انتقال السودان من حرب داخلية إلى بؤرة صراع إقليمي تتداخل فيها الحسابات العسكرية والحدودية والإنسانية، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستبقى محصورة داخل السودان أم ستتوسع إلى محيطه الإفريقي.
